26‏/04‏/2016

هل تنجح سياسات البنك المركزي في القضاء على أزمة الدولار

سعر الدولار اليوم على مدار الأسابيع الماضية لم يكن هناك حديث فى الشارع المصرى أعلى صوتا من الحديث عن أزمة الدولار وتوفيره وسعره وتداعياته وسط حالة غير مسبوقة من الجدال شهد مثلها سابقا عام 2003 عندما اتخذ القرار السابق بتحرير أسعار الصرف، واستمر وقتها الجدال والهجوم على مدى عام كامل، حتى بدأ الاقتصاد يتحرك بالصورة التى ساهمت فى إبراز القرار بصورتة الحقيقية. وقال محسن عادل خبير سوق المال إنه «لهذا كان هذا الملف بكل ما يتصل به، هو أحد أبرز الملفات التى عملت عليها بالتعاون مع فريق الأبحاث بالمركز المصرى للدراسات الاقتصادية لصياغة رؤية مبدئية حول هذه القرارات ومسبباتها وتداعياتها ومشكلاتها، حيث كان من الواضح أن سياسة الحفاظ على قيمة الجنيه عملت على إرساء مبدأ استقرار أسمى للعملة، فإنها أيضا لها تأثير على زيادة تآكل القدرة التنافسية لمصر، حيث إن قوة الدولار الأمريكى وارتفاع معدلات التضخم المحلى نتج عنهما ارتفاع حاد فى سعر صرف الجنيه الحقيقى بشكل فعال، بالمقارنة بمتوسط النسبة منذ عشر سنوات».
سعر الدولار كما أن استمرار التقلبات المتعددة فى أسعار صرف العملة المحلية فى مقابل العملات الأجنبية يمثل قلقاً مستمراً لدى أصحاب رءوس الأموال الراغبين فى الاستثمار بمصر، بالإضافة إلى أن هذه التقلبات تغير تقييمات الفرص الاستثمارية المتاحة، كل حسب المجال الذى ينتمى له، ومدى ارتباط نشاطه، سواء بالتصدير أو الاستيراد، مؤكدا أن أسعار صرف العملات الأجنبية فى السوق المحلية، ما زالت التحدى الأكبر أمام المستثمرين الراغبين فى دخول مصر، وهو ما دفع البنك المركزى إلى زيادة مرونة سعر الصرف فى العام الحالى، لضمان موازنة أسعار العملات الأجنبية، مقابل الجنيه. والأساس فى الأزمة الحالية سواء على المستوى النقدى أو الاقتصادى هو عدم قدرة الاقتصاد على تنمية مواردة بالعملات الأجنبية مع تراجع موارد الدولة من السياحة وعدم نمو الاستثمارات الأجنبية المباشرة بصورة كافية وتراجع إيرادات الصادرات، وكذلك ضعف الطاقات المتاحة لإنتاج سلع أساسية، أهمها الغذاء، مما يضطر الدولة لاستيرادها، وأيضا اعتماد الكثير من الصناعات القائمة على المدخلات المستوردة وضعف المكون المحلى بنسب متفاوتة تصل فى بعض الأحيان إلى مجرد التعبئة.
الدولار ويستلزم علاج هذه المشكلات إقامة تنمية صناعية مستدامة فى ظل هيكلة اقتصادية قد يمتد تنفيذها لعدة سنوات لإقامة صناعات للإحلال محل الواردات من ناحية وتنمية التصدير من ناحية أخرى، وتظهر بوادر هذه الاستراتيجية حاليا فى استراتيجية تنمية وتمويل المشروعات الصغيرة والمتوسطة وإقامة تجمعات زراعية تصنيعية متكاملة ضمن مشروع استصلاح المليون ونصف المليون فدان. ومن هذا المنطلق فإن القرارات التى اتخذها البنك المركزى مؤخرا، تعد بداية حقيقية للإصلاح الاقتصادى فى مصر، فمن شأنها أن تزيد من ثقة المستثمرين فى الاقتصاد المصرى، لكن يجب أن تتلازم معها إصلاحات مكملة على صعيد بقية المجالات الاقتصادية لإزالة عوائق التصدير والاستثمار من خلال إصلاح اقتصادى حقيقى، ونرى أن إعلان البنك المركزى اتباع سياسات مرنة، يستهدف فى المقام الأول بث الثقة فى مناخ الاستثمار فى مصر، خاصة إن الإجراءات الأخيرة التى اتخذها البنك المركزى بمثابة خطوة لتضييق الفجوة بين السعرين الرسمى وغير الرسمى للدولار، والتى وصلت إلى أكثر من جنيهين ونصف الجنيه، مما يضر بسعر الصرف وحركة الاستثمار فى مصر. ونرى أنه من المفيد لتعظيم النتائج اتباع استراتيجية لسياسة نقدية مرنة تسهم فى تحقيق التنمية الاقتصادية قدرتها على تجميع فائض المدخرات من القطاعات الاقتصادية المختلفة لإعادة توظيف هذه المدخرات فى تمويل عمليات الاستثمار والتبادل التجارى، مع ربط معدلات التوسع النقدى بمعدلات لنمو الدخل المحلى الإجمالى وتحقيق التوازن الداخلى والخارجى على السواء والمحافظة على استقرار سعر صرف حقيقى وأن تتواءم وتتفاعل ديناميكياً السياسة النقدية مع باقى السياسات الاقتصادية وتحقيق أهدافها بأقل اختلافات ممكنة وتحقيق أقصى ما يمكن من استفادة لتحقيق أهداف التنمية الاقتصادية من خلال إطار مؤسسى للدولة. وفى ضوء ذلك تحتاج السياسات الحالية للبنك المركزى إلى تطوير برنامج لمعالجة التعثر المالى الناتج عن الإجراءات المصرفية، والذى بدأ من أعقاب الأزمة المالية العالمية عام 2009 وزاد فى أعقاب ثورة 25 يناير، فهذا الأمر سوف يكون من شأنه إطلاق قدرات اقتصادية وتنموية جديدة وإنعاش معدلات النمو الاقتصادى من خلال إعادة تشغيل رءوس أموال وأصول استثمارية معقدة، خاصة إن التقديرات المختلفة لحجم الاستثمارات المتوقفة نتيجة التعثر، تعكس بوضوح حجم التأثير على النمو الاقتصادى فى حال دعم السياسات النقدية والاقتصادية لإنهاء حالة تعثرها المالى الحالية. بالنسبة لأثر الزيادة المتوقعة فى الأسعار خلال الفترة القادمة، فإن السلع والمنتجات الموجودة بالأسواق حاليًا تم استيرادها قبل نحو شهرين بأسعار دولار جزء كبير منها جاء عن طريق السوق السوداء، وبالتالى فإن الصدمة التضخمية حدث جزء منها بالفعل، إلى جانب الدور الرقابى المهم المطلوب من أجهزة الدولة فى الرقابة على الأسواق، منعًا لاستغلالً قرار خفض الجنيه.
اسعار الدولار ولفت عادل إلى أن الشرائح الأكثر تأثرا بهذا القرار ستتمثل فى الشرائح الفقيرة والمتوسطة، وهو ما يستدعى اتخاذ إجراءات حمائية لهم من مثل هذه التأثيرات المتوقعة، لهذا فهناك ضرورة لأن تسارع الحكومة بالاستعداد لمواجهة أى ارتفاعات سعرية أو بمؤشرات التضخم قد تحدث نتيجة لتلك السياسات خلال المرحلة المقبلة، مع أهمية أن تسارع الدولة فى إطلاق حزمة من القرارات الداعمة للشرائح الاجتماعية الفقيرة وذلك حتى تتمكن من تحمل تداعيات تلك القرارات، خاصة فيما يتعلق بالغلاء وارتفاع تكلفة المنتجات. ونؤكد أن إجراءات البنك المركزى لن تكفى وحدها لمعالجة الأزمة الاقتصادية ولابد من وجود سياسة مالية واستثمارية رشيدة ومحفزة لمساعدة المتضررين من محدودى الدخل، بالإضافة إلى ضرورة إصلاح اختلال هيكل ميزان المدفوعات الناجم عن خلل الميزان التجارى، وإعادة النظر فى سياسة التصدير وتنافسية الصادرات المصرية.
سعر الدولار في السوق السوداء من زاوية أخرى فإن قرار البنك المركزى المصرى وانتهاج سياسية أكثر مرونة فيما يتعلق بسعر الصرف يعتبر تحولا مهما قد يدفع دولا أخرى للسير على دربه، على رأسها دول الخليج فى ظل أن «انتهاج سياسات أكثر مرونة وتحررا حيال أسعار الصرف، يعد خطوة على الطريق الصحيح» ووفقا لصحيفة فايننشال تايمز، فإن دولا مثل المملكة العربية السعودية والبحرين وعمان أصبحت معرضة لاتخاذ قرار كهذا، حتى وإن ساهم ارتفاع أسعار السلع والنفط خلال الأسابيع الأخيرة فى تخفيف الضغوط بخصوص هذا الشأن على المدى القصير، ونرى أن المركزى سينتهج فى الفترة المقبلة سياسة أكثر مرونة فيما يتعلق بسعر الصرف لعكس القوة والقيمة الحقيقية للعملة المحلية وعلاج التشوهات فى منظومة أسعار الصرف واستعادة تداول النقد الأجنبى داخل الجهاز المصرفى بصورة منتظمة ومستدامة، وتعكس آليات العرض والطلب، مما يعمل على تعميق السيولة ويعزز أيضا من قدرتنا على جذب الاستثمار.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق