10‏/03‏/2016

أسباب أزمة ارتفاع سعر الدولار

سعر الدولار اليوم سلط الكاتب الصحفي المتخصص في الشئون العربية، فهمي هويدي، الضوء على أزمة الدولار التي ضربت السوق المصري مؤخرًا، مؤكدًا وجود عدة أسباب منها ما يدخل في دائرة المسئولية المصرية ومنها ما يقع خارجها. وكان نص مقال "هويدي"، بصحيفة "الشروق": فى أزمة مصر مع الدولار اختلط الجنون مع الغموض، الجنون تمثل فى الأسعار والغموض ظل يكتنف الملابسات والأسباب. إذ فى حين صرنا نقرأ فى كل صباح أن عيار الدولار انفلت حتى أصبح خارج السيطرة وصار سعره يتزايد بين ساعة وأخرى، فإن أحدا من المسئولين لم يشرح لنا الحكاية. فلا فهمنا الذى حدث، ولا عرفنا إلى أين نحن ذاهبون، ولا دلنا أحد على الذى علينا أن نفعله. وفى أجواء البلبلة المخيمة صرنا فريسة للشائعات التى أفزعت مختلف شرائح المجتمع. فالقادرون سارعوا إلى محاولة حماية أموالهم، بتحويلها إلى دولارات أو عقارات أو ذهب. ومنهم من لجأوا إلى سحب أرصدتهم من البنوك للاحتفاظ بها فى بيوتهم بعدما شاع عن أن قيود المعاملات المصرفية قد تجعلها عاجزة عن الاستجابة لطلبات المودعين. أما متوسطو الحال فقد عمد بعضهم إلى تخزين بعض السلع التى توقعوا أن يشملها حظر الاستيراد. ولا تسأل عن الفقراء الذين يئنون تحت وطأة الغلاء. إذ لم يعد لديهم ما يخسرونه. الشاهد أنه فى ظل صمت المسئولين وغياب الشفافية فإن الذعر عم الجميع وأصبحت الشائعات سيدة الموقف، حتى تسرب القلق إلى كل بيت بما فى ذلك بيت محافظ البنك المركزى ذاته، كما ذكر هو فى حواره التليفزيونى مع الأستاذ إبراهيم عيسى. طوال الأسبوع الماضى ظللت ألاحق من أعرف من خبراء الاقتصاد محاولا فهم ما يجرى. وكان رد أغلبهم أن الملف يكتنفه الغموض، وأنهم لم يعودوا يفهمون الحاصل. وفى غيبة المعلومات الموثوقة لم يعد أمامهم سوى التخمين والاستنتاج. أما حصيلة ذلك الجهد فكانت كالتالى: < أن المشكلة ليست فى ارتفاع أسعار الدولار، ولكنها فى ندرته أو عدم توافره. الأزمة من هذه الزاوية لها عوامل عدة بعضها خارج عن سيطرة الإدارة المصرية، أبرز تلك العوامل أن هناك تراجعا وركودا نسبيا فى مؤشرات التجارة العالمية أدى إلى انخفاض دخل قناة السويس التى تعد إيراداتها مصدرا مهما للعملات الصعبة. إضافة إلى ذلك فإن انخفاض أسعار النفط إلى ما دون النصف جعل بعض السفن التجارية تفضل العبور من الشرق إلى الغرب والعكس من خلال المرور برأس الرجاء الصالح بديلا عن القناة، لأن ذلك أصبح أوفر خصوصا أن رسوم العبور بالقناة ظلت ثابتة ولم تتغير. < العوامل التى تدخل فى نطاق مسئولية الإدارة المصرية أكثر. على رأسها مثلا أن السياحة شبه متوقفة والاستثمار الأجنبى عند حدود متواضعة. وذلك يرجع إلى عدم استقرار الأوضاع الأمنية الداخلية، الأمر الذى جعل مصر طاردة للسياحة والاستثمار وليست جاذبة لهما. وذلك إشكال لا سبيل إلى حله إلا بإزالة أسباب التوتر والاحتقان فى الداخل إذ بغير ذلك لن يطمئن سائح ولن يأتى مستثمر. < الاعتماد بشكل كبير على الاستيراد من الخارج يعد عنصرا ضاغطا له إسهامه الأساسى فى تفاقم الأزمة. ذلك أن فاتورة الواردات تقدر بستين مليار دولار سنويا. وتتصدر قائمة الواردات السلع سعر الدولار اليوم الغذائية والغاز والبترول والخامات والسلع الوسيطة التى يعتمد عليها قطاع الصناعة. وذلك خلل فادح ما كان له أن يستمر خصوصا ان فى الداخل امكانيات كبيرة لم يحسن تنشيطها أو استثمارها. < أن قضية الإنتاج المحلى ينبغى أن تحتل صدارة الاهتمام، لزيادته وتجويده ليس فقط لتوفير متطلبات الاستهلاك، ولكن أيضا لإتاحة الفرصة لتصديره. ولكى يتحقق ذلك فإن السياسة النقدية ينبغى أن ترسم بالتنسيق مع سياسة التصنيع، لأن الحد من استيراد الخامات مثلا يقتل الصناعة. الأمر الذى من شأنه تعطيل مسار التنمية بكل حلقاتها. < أن أولويات توجيه الاستثمارات والموارد فى الداخل تحتاج إلى ترشيد، بحيث تتم إعادة النظر فى توجيه الموارد لتلبية الاحتياجات وتوفير الخدمات الأساسية، مع تأجيل كل ما ليس أساسيا أو عاجلا مثل المشروعات العملاقة التى استنزفت المليارات فى حين أنها لا كانت أساسية أو عاجلة. لقد نشرت الصحف المصرية أخبار عدول البنك المركزى عن القيود التى كانت قد وضعت فى تحديد سقف السحب والإيداع. وفهمت أن من شأن ذلك أن يحدث نوعا من الانفراج النسبى فى أزمة الدولار. إلا أن هذه الخطوة تعالج الأزمة الراهنة بإجراءات وليس بسياسات، والأولى تسكن فقط ووحدها السياسات الرشيدة هى التى تحل. حتى أمثال تلك الإجراءات تتم دون أن نفهم لماذا وإلى أين، كأن هناك إصرارا على استمرار عدم الشفافية يضاف إلى الإصرار التقليدى على مخاصمة السياسة فى مختلف المجالات. فى بعض المواقف الحرجة أصبحنا نلجأ إلى حظر النشر، لكننا ذهبنا إلى أبعد فى أزمة الدولار، حيث يبدو أن قرارا ضمنيا صدر بحظر الفهم أيضا!

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق